عين القضاة

22

شرح كلمات بابا طاهر العريان

قال : ( العلم شرك الحقّ ) . أقول : لأنّه يصطاد به العبد ، ويقيّده بأحكامه ، كيلا ينطلق في مراتع هواه ، ويسترسل في مهواة الطبيعة المردية . قال : ( العلم صيد ، والإشارة قيد ) . أقول : يعني ، العلم آلة صيد العبد ، كما ذكر . وأمّا معنى قوله : ( والإشارة قيد ) ، فهو أنّها تفيد التعيين ، وهو التقييد . قال : ( العلوم كلّها خبر ، والحقيقة كلّها ذكر ، والإشارة كلّها وهم ، والمعارف كلّها شيمة ) . أقول : العلم الإنساني ، إمّا عرفاني يحصل من المشاهدة ، وهو الذي قال عنه : ( العلم بالمعرفة معرفة ) ، أو برهاني يحصل بالاستدلال ، وهو الذي قال عنه : ( العلم دليل ) ، أو إيماني يحصل بالنقل والسماع ، وهو المراد بقوله : ( العلوم كلّها خبر ) ؛ أي العلوم النقلية كلّها خبر عن صادق مصدّق . ومخصّص العلم هنا بالنقل هو العقل ، كما في قوله سبحانه : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [ الرّعد : الآية 16 ] ، وهذا الخبر ممّا لا مساغ فيه للكذب عند السامع المصدّق به ؛ لأنّه يفيد يقينا ، وإلّا لم يكن علما ، بل ظنّا ، أو شكّا ، أو وهما ، لكنّه يقين علمي يحصل بالسّماع ، لا عينيّ حقيقي يحصل بالمشاهدة ؛ كما قال : ( الحقيقة المشاهدة بعد علم اليقين ) . ولمّا كانت المشاهدة أعلى فروع الذكر ، وهي عين الحقيقة ، قال : ( الحقيقة كلّها ذكر ) . قوله : ( والإشارات كلّها وهم ) ؛ أي غلط ؛ لأنّها تفيد التقييد ، وهو ينافي التوحيد ، فمن أشار إلى الباطن قيّده بالبطون والتنزيه ، ومن أشار إلى الظاهر قيّده بالظهور والتشبيه ، وهو الظاهر والباطن ، لا يقيّده وصف ، ولا يحصره نعت . وأمّا قوله : ( والمعارف كلّها شيمة ) ؛ أي عادة ؛ فلأنّ العادة ما يتكرّر الشيء على صفة واحدة ، والمعرفة لا تكون إلّا كذلك ، ثابتة غير متغيّرة بتكرّر ظهور المعروف ، وإلّا لم تكن معرفة .